Primary Links:

في وسومات المحتوى

استطلاع رأي

الفعاليات القادمة

  • No upcoming events available.

الشعر بين الفهم اللفظي واللفظ الرمزي

 

5/5/2003


 

   عندما نقرأ نصاً أدبياً فأننا نقيّم هذا النص من حيث المضمون والشكل، وكلا العنصرين مرتبطين ببعضهما ارتباطاً عضوياً فالشكل هو سبيلنا لفهم المعنى (المضمون ) لذلك فلا بد لنا من معرفة أبعاد هذا الشكل لنفهم المعنى الذي يقصده الشاعر كما هو وقد كثر النقاش حول بعض الألفاظ التي يستخدمها بعض الشعراء الحداثيين في نصوصهم الأدبية، كلفظ الجلاله(الله)

 الذي قد يخرجه المعنى الشعري عن معناه المعتاد كما يقول الحداثيون، وفي الجهة الأخرى نجد اعتراضاً يبديه البعض الأخر على هذه الألفاظ ويعتبرها تطاولاً على الذات المقدسة وقلة أدب مع الله...، فهل نتفق نحن البشر على فهم واحد لله وهل نتفق نحن كمسلمين داخل دائرة الإسلام في فهم الله، فهنالك من يفهم الله بأنه الرب المطلق الذي ليس كمثله شيء، ومنهم من يفهمه بأنه الرب الذي ينزل للسماء الدنيا على حمار أسود في هيئة البشر...، ولا يوجد فهم واحد لله كما أن هناك من المسلمين من يفهم القرآن حرفياً-  وهذه المشكلة نراها مع الشعر الذي هو أدب وبلاغة لفظية-  فيثبت لله بعض الصفات التي وصف نفسه بها وهي صفات بشرية كالسمع والبصر واليد، ومنهم من يؤوّل هذه الصفات حسب سياق النص الذي جاءت فيه والقرآن معجزة بلاغية عظيمة، وحين نفهمه حرفياً سنجد فيه من التناقضات ما قد يدفعنا للشك .    لا شك أن الشعر فن أدبي بلاغي له مميزاته الأدبية التي تميزه عن الفنون الأخرى، وبعيداً عن الوزن والقافية التي هي مجرد قواعد للشعر نأتي للصور والأخيلة؛ لنجد الشاعر المبدع هو من له القدرة على خلق الصور، وتوظيف الخيال بشكل يعجز عنه غيره من البشر العاديين، فللشاعر قدراته الخاصة التي تميزه عن الآخرين بغض النظر عن الوزن والقافية التي هي مجرد قواعد تتحكم بموسيقى الشعر، ومن هذا المنطلق يُخرج بعض النقاد الشعرَ التعليمي من دائرة الأدب لأنه مجرد كلام سردي بشكل منتظم وموزون، وفهم النصوص الأدبية لا يكون حرفياً لأن الشاعر يوظف إبداعه في هذا العمل، وهو الشيء الذي يميّزه عن الآخرين وحين نفسر ذلك العمل بشكل حرفي فإنا بذلك نبخس الشاعر حقه ونقلل من قيمة العمل أدبا وفنا،  فهاهو محمود درويش يتحدث عن وطنه فيقول :(أريدكِ حين أقول أريدكِ يا امرأة وضعت ساحل البحر الأبيض المتوسط في حضنها وبساتين أسيا على كتفيها وكل السلاسل في قلبها) إن جئنا لفهم النص بشكل حرفي لن نخرج منه بفهم واضح للنصبل إننا قد لا نجد للنص معنى، وسنجد الشاعر متخبطا في كلامه فهو يتحدث عن امرأة تضع الساحل في حضنها والبساتين على كتفها والسلاسل في قلبها، ولكن حين نأتي لنفهم النص فهماً أدبياً يُـقيم وزناً للمعنى الشعري فسنرى بأن الشاعر يعني بالمرأة وطنه فهو يصف جغرافيا هذا الوطن (يا امرأة وضعت ساحل البحر المتوسط في حضنها وبساتين أسيا على كتفيها) فالشاعر هنا أستخدم المرأة رمزاً للوطن وقد فهمنا ذلك من خلال  سياق النص وكثيراً ما يستخدم محمود درويش المرأة كرمز للوطن وعند هذا الحد لا نجد اعتراضاً على الرموز، ولا نجد فهما يصر على إخراجها عن معناها الشعري الذي يحكمه السياق والدلاله، ولكن حين نأتي للفظ (الله) نجد بأن الله هو الله الذي ليس كمثله شيء ولا يمكن أن يكون شيء أخر فنسلب الكلمة رمزيّتها ودلالتها ومعناها الشعري الذي يختلف عن معناها العام ونصادر حق الشاعر في توظيف الألفاظ التي تتناغم ووجدانه للدلالة على المعنى الذي يريد بالصورة التي يريد، فهذا نزار قباني يقول: (حين رأيت الله في عمان مذبوحاً، على أيدي رجال البادية غطيت وجهي بيدي صحت يا تاريخ هذي كربلاء الثانية)هنا يوظف الشاعر الله أقدس الرموز لدى المسلمين بل لدى الموحدين بشكل عام في قصيدته التي يتحدث فيها عن جريمة أو مجزرة حدثت وأيا كانت هذه الجريمة فالشاعر يراها بحجم جريمة ضد الله، وهذه الجريمة تذكره بكربلاء، فهل قُتِلَ الله في كربلاء؟! الله هنا ليس إلا رمز الضحايا الذين قتلوا، وقد أستخدمه الشاعر للدلالة على عظم هذه الجريمة، وهناك دلالات أخرى كثيرة للفظ الله فقد أستخدم نزار نفس اللفظ(الله) لدلالات أخرى في بيت أخر من قصيدة أخرى فيقول :  (من أين يأتي الشعر يا قرطاجة والله مات وعادت الأصنام ) الشاعر هنا يتحدث عن زمن عادت فيه الأصنام، وهذه الأصنام قد أُلغيت مسبقاً من قبل الدين ثم جاء زمن مات فيه هذا الدين، فعادت الأصنام..، هنا الدين هو الدلالة للفظ (الله)  وتفهم هذه الدلالة من سياق المعنى الشعري للبيت،وحتى الأصنام هنا لم يقصدها نزار بذاتها بل بمعناها أيضا ويقول عبد العزيز مقالح في ديوانه: (كان الله قديماً حباً كان سحابة كان نهاراً في الليلِ وصار الله رماداً صماً رعباً في كف الجلادين ) في هذه الأبيات الدلالة على المعنى أوضح من أبيات نزار السابقة فالأبيات تفسر المعنى إذ أن الدين (الله) في القديم كان يمثل الحب والتعايش المشترك بين الجميع، وكان كالسحابة التي تستظل تحتها كل المذاهب والأديان وكان الله أي (الدين) نهاراً ساطع بحضارته وأحكامه وعدله في وجه الليل المظلم، والجاهلية التي كانت سائدة ولكن هذا الدين (صار الله رماداً صماً رعباً في كف الجلادين ) قد أصبح رماداً بكل ما يحمله هذا اللفظ من الاحتراق و بقايا الأطلال لدين شوهه الجُهال والمتعصبون وأستغلوه لمصالحهم، وأصبح مطية يمتطها كل حاكم دكتاتوريّ من أجل القتل والتعذيب، وهذا هو المعنى الذي أفهمه من هذا الرمز فهكذا تعودت فهم (الله)، فالله الذي ليس كمثله شيء هو الله الذي ليس كمثله شيء، ولكننا مهما بلغنا سيصبح تفسيرنا وأحلامنا تجاه الله (شيء)، كما إن مضمون الله في المعنى الشعري يختلف عن معناه الحرفي،  فليس هناك احتكار للمعنى من قبل اللفظ،  فالمعنى يختلف في دلالته من موقع لأخر كما جاء في النماذج السابقة، كما انه ليس هنالك احتكار لله من قبل دين من الأديان، أو طائفة من الطوائف، وتتضح لنا حقيقة أن مفهوم الله لدى اليهود مغاير عن الله لدى المسيح، والله لدى المسلمين مغاير عن الله لدى اليهود، والمسيح...،  ونستنتج أن الله ليس محصوراً لأحد، بل إن الله للجميع، وكذلك الكلمات هي كلمات عامة في حد ذاتها، ولكن كل أديب يستخدمها حسب فهمه وثقافته ووجدانه وبيئته فليست الألفاظ هي سبيلنا الوحيد لفهم المعنى، بل إن هناك رموز وتشبيهات وصور وخيال قد تتسع إلى اللا محدود بمعناها الأدبي وبها جميعاً نستطيع تذوق اللفظ وفهم المعنى.     

Posted in نشره tamkin يوم اثن, 2007-03-26 03:19.
قرأت 294 مرة

علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق